زكريا محمد: الأميون في القرآن: أهم الأحناف؟
من قصيدة "عُواء" للشاعر الاميركي ألن غينسبيرغ: ترجمة سركون بولص
محمود درويش يقرأ قصيدة في فيلم لصموئيل شمعون

ENGLISH KIKAH

أهلا بكم في كيكا *** يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com **** أهلا بكم في كيكا *** يقوم الزميل عماد خشان، المقيم في نيويورك، بالاشراف على موقع كيكا **** كل المواد ترسل الى عماد خشان imadkachan@kikah.com ______ الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي في جولة أدبية في أميركا ** التفاصيل لاحقا **** ______

ناظم محمد العبيدي

ريمة

 

ناظم محمد العبيدي

 

يعاود الموتى حضورهم، يرتقون عتمة هذا العالم والنسيان، ألمح في وجوههم لهفة لم تطمسها مرارات الرحيل، مازالوا يتداولون أحاديثهم القديمة، في أعينهم ثمة رجاء باهت، غموض يذكر بانطفاء السنوات، يعاودون تسلق جدار النفي ليخرجوا من مملكة الموتى، يختلسون فرصة الحضور لزيارتي حيث أقبع في الجزء الجنوبي من المدينة، اسلم نفسي لموجة تهبط بها الى قرارة الليل والنوم، كيف أهرب من الموت الراكض في كل مكان  ؟ دوي انفجارات يهدد سكينة الرقاد أم ضجيج شيء يتداعى؟ تأوهات امرأة تسكن في الجوار أم نداء رغبة في أعماقي أيقظتها الوحدة ؟  أصوات مروحيات أمريكية تعبر فوق البيوت، بدت مثل طيور سود كالحة، طيور من حديد تزأر في الفضاء، أخلد الناس الى الصمت بعد نهار صاخب، يغرق الجميع في بحيرة النوم، أغفو على ضوء شحيح ينبعث مـن مصباح يعمل على الشحن، أبصر وجه العجوز " ريمة " المغطى بالتجاعيد

 آه ..إنها عمة أبي المعمرة التي عاشت أكثر من قرن، رسمت لوجهها تخطيطاً بالقلم الرصاص أيام االدراسة الإعدادية حين كنت مولعاً برسم الوجوه، أصبح التخطيط أعجوبة لدى أقاربنا، كأنهم يرون وجه العجوزلأول مرة، بيد أنها لم تظهر اهتماماً بتخطيط وجهها وألقت عليه نظرة لا مبالية، وجه عجوز ترتدي " الجرغد " الأسود، تختلط فيه التغضنات بالوشم، تغطي عينيها الذابلتين نظارة سوداء بعدستين سميكتين أظهرتهما أكبر من حجمهما الطبيعي،  روت لي حكايات عديدة عن معارك الإنكليز مع العثمانيين حين دخلوا العراق مطلع القرن الماضي، شاركتني غرفتي الصغيرة في القرية، فقد جاء بها ابن عم أبي في ليلة باردة من ليالي شهر شباط عام 1984، غضبت من زوجته فلملمت أغراضها القليلة وحشرتها في صـرة من قماش قديم،  وطلبت منه أن يمضي بها الى بيتنا، حاول الرجل ترضيتها لكنها تجاهلت توسلاته، فراح ينظر الى أبي مستنجداً ليقنعها بالعودة معه، غير أن أبي الذي كان يعرف عمته جيداً خاطبه بصوت منخفض : " لا تتعب نفسك  ".

بعد رحيله في تلك الليلة الممطرة، أراد أبي معرفة سبب غضبها الا أنها رفضت الحديث، ثم راحت تبكي مرددة كلمات غامضة نطقتها بفم ذبلت شفتاه وانكمش لخلوه من الأسنان، جلسنا حولها نصغي لها مشفقين وهي تنعى نفسها وتعاتب القدر الذي لم يلحقها بأحبائها من الموتى، بدت لي وأنا في سن المراهقة مثل كائن اسطوري، كان وجهها الغارق في التجاعيد، والوشم الذي لاح عند الذقن وفوق كفيها المعروقتين،  يعيد الي صدى حكايات سمعتها من أبي عن طفولته حيث عاش قبل مجيئه الى بغداد، وتحرك في أعماقي فضول طاغ للعجوز التي عبرت عقوداً كثيرة، للأسرار التي تحملها في ذاكرتها المتعبة،  ….

تحير أبي ولم يعرف أين تقيم عمته، لأن مجيئها بهذه الطريقة يعني إقامة طويلة، عرضت عليه أن تشاركني غرفتي  ففرح بذلك، وحين أخبرها بذلك ورأتني أحمل صرتها رمقتني بعينين غائمتين من خلف نظارتها السوداء ذات العدسات السميكة، كأنها تشكرني على حفاوتي بها، ولم يكن في غرفتي غير سرير ومكتبة صغيرة، جلست العجوز على الأرض تخرج أغراضها القليلة من صرتها، وكانت قلقة على " الجولة " الصغيرة، بيد أنها شعرت بالإرتياح وهي تضعها أمامها بعناية، ناولتني ابريق الشاي القديم وطلبت مني أن أملأه بالماء لتصنع الشاي .

في مناسبات ماضية ذكر أبي أن "ريمة" كانت امرأة قوية يرهبها الرجال في القرية مثلما ترهبها النساء، ولأنها كانت تتدبر أمورها بمفردها في الزراعة وتربية الحيوانات، ولم تعتد الرضوخ لأحد بسبب اعتدادها بنفسها، فقد استغنت عن الرجال، ولم تنجح برغم زواجها لمرتين أيام شبابها أن تحيا تحت سلطة أي من زوجيها، وسرعان ما كانت تنتهي علاقتهما  بالإنفصال، وتخلت بعد ذلك عن فكرة الزواج من أحد، ماتت بناتها الثلاث اللاتي أنجبتهن في سنوات شبابها،  فعاشت وحيدة تتنقل بين أولاد أخوتها منذ زمن طويل.

ما الذي جاء بالعجوز بعد كل هذه السنين؟ آخر ما سمعته عنها أنها ماتت في القرية عند أحد الأقارب بعد أن لدغتها عقرب، عادت العجوز نافضة غبار السنوات، تبتسم كما كانت تفعل حين كنت أسألها عن تفاصيل مضى عليها الزمن، لعلها تسخر من أمواج الليل والذاكرة المكدودة، راقبتها وأنا غارق في ليل موحش تقطنه الهواجس والأشباح، كان الجرح في ركبتها وذقنها ماثلين، أرتني اياهما حين سألتها عن الإنفجار القديم، هل أعــادتها الى ذاكرتي أصوات الإنفجارات التي أسمعها في ليالي الكئيبة  ؟  من يصدق أن هدية يمكن أن تفعل ذلك  ؟!  نعم كانت هدية حين مضت ذات يوم في أيام شبابها الى صديقة لها، لا أحد يعرف على وجه الدقة متى كان ذلك، حتى هي لم تكن تعرف حـين روت لي تلك الحكاية، ربما كان ذلك بعد مجيء الإنكليزالى العراق بسنوات، مضت لزيارة صديقتها في احـدى القرى وكـان اسمــها

 هديلة "، وقضت معها ساعات يتبادلن فيها ذكرياتهما القديمة، وقبل أن تفترقا نهضـت "هديلة " وأخرجت من صندوق حاجياتها لفة من القماش كانت قد وضعت فيه لقية ثمينة، جلبها جاسم  أحـد أقاربها من مخلفات الجيش الإنكليزي، قدمت اللقية المعدنية لجدتي " ريمة "، التي أمسكت بها تقلبها في امتنان، واستبد بها الفضول لمعرفة حقيقة هـذه الهدية الثمينة، وراحت تتفحصها غير أن شيئاً ما أثار ريبتها، لعله الدخان الذي انبعث منها ، قذفت بها جدتي " ريمة " الى خارج الغرفة لتنفجر مدوية، هوى الجميع على الأرض لا يعرف حقيقة ما جرى، وأصيبت جدتي في ركبتها وذقنها، لكن ما حدث خارج الغرفة كان مروعاً لصاحبة الدار

" هديلة "، اذ وجدت زوجة ابنها ممددة تلفظ انفاسها بجوار الحمار، فقد قتلت هديتها الإنكليزية " القنبلة " زوجة ابنها والحمار الواقف في باحة الدار، وسارع أهل القرية الى الدار حيث حدث الإنفجار، وظلت " هديلة " تقلب طرفها في وجوه أهل القرية مذهولة من المفاجأة، تردد بلا وعي نادبة حظها :

 " لو أدري ما ضميت هاي البلوة، الله يكصف عمرك جاسم  " .

لقد ماتت جدتي " ريمة " وآثار القنبلة ماثلة في جسدها، كيف عــادت الي بعد كل تلك السنوات  ؟ لعله الليل وأصواته المبهمة، أو أنها سئمت بقائها في ذلك المكان النائي  حيث لا يزورها فيه أحد ! 

 

 

كاتب عراقي، بغداد

Nazum111@yahoo.com

 

 

خاص كيكا